سكرات الباطل
في
غمرة الصراع بين الحق والباطل قد تعصف بحملة الحق وجنده أوهام الباطل وإرجافات
شياطينه وأعوانه، وقد تمرّ أثناء ذلك لحظات من الالتباس تشكك بالحق وأهله وقدرته
على الانتصار من خلال الغباشة التي قد يتسبب بها زبد الباطل وانتفاشه وتورمه
وانتفاخه، فيخيل لأهل الحق وأنصاره أنهم مدركون وتتراءى أمام أعينهم شواهد
مزيفة تصوّر الباطل وقد شارف على استئصال
شأفتهم أو يكاد.
الجولات
بين الحق والباطل على مدى الزمن كثيرة، وسنة التدافع بين الخير والشر على صفحات
التاريخ متعددة، وفي كل واحدة منها عبرة وعظة وشاهد ومثال على حتمية ظهور الحق
واستعلاء الخير وانمحاق الشر وزهوق الباطل.
قد
تطول جولة وتقصر أخرى، وقد يكسب الباطل جولة في غمرة الصراع الذي قد يطول أحياناً،
ولكن تبقى دائماً صولة الحق حاضرة ودولته حية شاهدة على أنّ أهل الحق هم المنتصرون
في آخر المطاف، وأنّ قيم العدل هي التي تسود في نهاية المعركة ضد الظلم.
ومع
كل جولة تستجدّ آلام وأحزان، وتتناثر أشلاء وتسكب دماء، ويسقط جرحى وموتى، ويرتقي قتلى
وشهداء، وفي كل معركة أيتام وثكالى وأرامل، وتضحيات في الأهل والمال والولد يصعب
إحصاؤها.
إنه
بمقدار ما يستعصي العدو على الانكسار والاستسلام، وبمقدار ما يتأخر النصر وتطول
جولة الصراع، وبمقدار التضحيات والآلام والعذابات فبمقدار ما تكون نتائج المعركة
حاسمة والنصر مدوّياً مجلجلاً.
عندما
يحتدم الصراع ويشارف أهل الحق على انتزاع النصر فيصبح منهم قاب قوسين أو أدنى، ولحظة
ما يوقن أذناب الباطل أنّ معركتهم خاسرة وأنهم على وشك الزوال والانهيار بلا عودة،
وحينما يفقدون كل أمل في النصر وكسب المعركة فإنّ الباطل سيحاول أن يكابر ويعاند فيستجمع
قوته ويستنصر بأزلامه وشياطينه، ويحشد عتاده وعدته، ويزداد توحشاً وتوغلاً وهمجية
ومغامرة، فيزبد ويربد ويتوعد ويهدد، ويدمر ويقتل ويشرّد.
في
غمرة هذا المشهد المأساوي من سكب الدماء والدمار والتشريد فإنّ على أصحاب الحق أن يستيقنوا
أنّ الظلام أوشك على الانجلاء وأنّ معركتهم شارفت على الانتهاء، وأنهم يدقون أبواب
النصر يستفتحون ساحات الحرية ليحتفلوا ابتهاجاً برحيل الطاغوت، فعليهم حينها بالتماسك
والثبات ريثما يستكمل الباطل سكراته فيزفر آخر زفراته ويتقيأ روحه النتنة حيث سقطته
المميتة ورحيله الأبدي المدوّي.
***************************
إعداد: محمد
غياث الصباغ