ثقافة الداعية
يوسف القرضاوي

حتى لا يعيش المسلم عموما , و الداعية خصوصا بعيدا عن تاريخ أمته و هويتها الثقافية , أو أن يحيى غريبا عن عالمه المعاصر بكل ما فيه من علوم حديثة وتحديات و إشكالات ثقافته و حضارية , قام المؤلف يزود الداعية المسلم خصوصا و الشباب المسلم عموما بثقافة متكاملة , تنمو الشخصية الإسلامية في ظلالها بتوازن و اعتدال .
و المؤلف إذ يعرض لهذه الثقافة فهو يضع بين أيدينا مفاتيح العلوم و طرق التعامل معها و الأسلوب الأمثل للاستفادة القصوى من كل فرع من فروع هذه الثقافة المترامية الأطراف .
ونظرا لأن الكتاب يدور أساسا حول ثقافة الداعية , فقد رتبت مواده حسب الثقافات التي يرى المؤلف احتياج الداعية إليها لأداء مهمته على الوجه المطلوب و هي :
الثقافة الإسلامية :
و نعني بها ما يجب أن يعرفه الداعية بالنسبة لكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم , و علم الفقه و أصوله , و العقيدة , و التصوف , و النظام الإسلامي ,
و يكاد هذا القسم أن يضم حوالي ثلثي الكتاب , تناوله المؤلف بأسلوب العالم المتمكن و الداعية المتمرس الذي خبر الناس و وقف على مجموعات من النماذج البشرية و العقول الإنسانية المتباينة , فعرف موضع التأثير فركز عليه و أبانه , و مواطن السلب فنبه عليها و حذر منها ,
و لك مثلا على ذلك وقفته مع كتاب الله , و إبراز أهم خصائصه , و كيفية التعامل معه , و الاستفادة المثلى من مكنوناته و فوائده الجمة , و كيف تستعين به في خطابك للناس بمختلف طبقاتهم , و ما هي أنواع الحاجة للقرآن في حياة الداعية في عقله و سلوكه و روحه .
و كذلك فعل مع الحديث الشريف , و التحذير من مغبة التعلق بأحاديث ضعيفة أو موضوعة بغية التأثير على الجماهير و كسب الشهرة و خاصة في وسط خطباء المساجد و أصحاب حلقات الدروس , و مبلغ الأثر السيئ الذي تتركه الأحاديث المردودة على ثقافة الأمة و سلوكها .
و يتابع في خطته هذه فيدرس الفقه و يبين حاجة الداعية إليه , و كيف يتعامل مع هذا التراث الفقهي الضخم الهائل الذي تركه لنا الأوائل , ثم كيف تنتقي منه ما يناسب واقعك و مجتمعك , ثم ما يليق بالداعية أن يكون عليه من إلمام بأكثر من مذهب فقهي حتى لا ينكر على مقلد لغير مذهبه جهلا منه بالحكم و اختلاف الفقهاء فيه .......
الثقافة التاريخية :
و هي بيان لما يجب معرفته من حوادث شهيرة حية في التاريخ الإسلامي , كما يجب أن يتنبه الداعية لصحة ما ينقله و ذلك لكثرة الكذب و التدليس في كتب التاريخ بالذات .
ثم إن الداعية الحصيف لا يغيب عن واقعه بالعيش في تاريخ مضى و لن يعود , فهو يمزج الحاضر بالماضي , و يتخذ الماضي بما فيه من تقدم و تقهقر سلما للارتقاء مرة جديدة في الواقع المعاصر و إعادة الثقة للأمة المهزومة .
ولا بد أن يتنبه الداعية إلى أن تاريخ الأمة شيء و دينها شيء آخر , فأي تخلف عن منهج الله عبر التاريخ لا يتحمله الدين بل الجماعة التي عاشت آنذاك .
الثقافة الأدبية و اللغوية :
من صفات الداعية أن يكون ذا بيان و فصاحة و أدب , و فهم لأساليب اللغة و فنونها من شعر و نثر و مقالة و بحث إلى غير ذلك , فإن الكلمة البليغة لها في النفوس أثر السحر , و قد صدق رسولنا الكريم حيث يقول ( إن من البيان لسحرا )
الثقافة الإنسانية :
يقصد بها أن يكون الداعية على فهم بالعلوم الإنسانية و الأخلاق و الفلسفة و علم النفس , و ليس المقصود أن يكون متبحرا في كل شيء بل بالقدر الذي يمكنه من ربط ما يقول بالحالات الإنسانية التي تصادفه, و يعينه على فهم النفس البشرية التي يخاطبها فيتخذ لكل طبيعة من طبائع البشر الأسلوب المناسب لها .
الثقافة العلمية :
يقصد بكلمة (العلمية) العلم التجريبي كعلوم الكيمياء و الفيزياء و الطبيعة و غير ذلك ...,
و هذا الفرع ضروري جدا للداعية ليستطيع التثبت من القضايا التي تطرح عليه و تعتمد على الحس و المشاهدة , و ليعتمد على هذه العلوم في تأكيد صحة ما يذهب إليه من إسلاميات فكلما أكثر من الاستشهاد بقضايا علمية على أفكار الإسلام كان ذلك أدعى للقبول و الاقتناع .
الثقافة الواقعية :
و هي قدرة الداعية على فهم ما يدور حوله من مشكلات عالمية معاصرة, و مشكلات مجتمعه , و كيفية معالجتها على ضوء الشريعة الإسلامية , و معرفة الحركات الإسلامية و المذاهب الهدامة للوقوف على مناصرة الصحيح منها و التصدي لما هو غير لك .
فهو يطلع على كل جديد في عالم الفكر و السياسة و الثقافة بحسب حاجته إليه .
و بعد ... فإن منهج الكتاب غاية في الروعة من حيث التسلسل في العرض مبتدئا بما هو مهم و أصل في الموضوع ثم ما يليه في الأهمية و هكذا , و قد تغلب على المنهج صفة التقنين و التفريع دون اللجوء إلى التطويل أو الإنشاء .
إن هذا الكتاب النفيس ذو فائدة جمة حيث رسم طريقا للداعية بين له موضع الصواب و مكمن الخطر , وواجب الاتباع و مواطن الحذر ,
يستفيد من الكتاب –فيما نرى-كل من له اهتمام إسلامي من الشباب و الناشئة , لكن أولى الناس بقراءته و فهمه هم الدعاة الذين نذروا أنفسهم لهذا الطريق الشاق الطويل.
و الكتاب له طبعات كثيرة جدا , في أقطار شتى , واعتمدنا على طبعة مؤسسة الرسالة بدمشق ,
...........................................................................................
إعداد:أسرة الموقع