القرآن معين التربية الأول
إن
القرآن يجسد المربي الكامل بما حواه من مزايا , فإنه كما هو معروف ينبغي أن يكون في
المربي صفات تؤهله لهذه المهمة الخطيرة :
-
أولاً : ينبغي أن يحس الإنسان الذي يتلقى التربية أن مربيه أعلى منه وأنه في موقف
الآخذ والمتلقي لا في موقف الند ، وكلما كان هذا العلو أكثر شمولاً وسعةً وعمقاً
وكمالاً كانت التربية أنجح
( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )
الزخرف آيـ4ـة
وعلو القرآن مستمد من علو رب العالمين .
- ثانياً : ينبغي أن يحس الإنسان الذي يتلقى التربية بأن الذي يربيه عنده ما
يعطيه .
فالقرآن كتاب مبارك قد جمع كل خير : ( وَهَذَا ذِكْرٌ
مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ) الأنبياء آيـ50ـة
- ثالثاً : ينبغي أن يكون المربي حسن العطاء والقرآن أحسن الكلام عطاءً
فهو قرآن مبين : ( الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ
) يوسف آيـ1ـة .
وهو قرآن حكيم : ( الـم . تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ
الحَكِيمِ ) لقمان آيـ2ـة .
وهو قرآن ميسر : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ
لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) القمر آيـ17ـة .
- رابعاً : ينبغي أن يكون المربي محباً لمربيه شفوقاً عليه رحيماً به فإن لم
يشعر المربى أن الذي يربيه يحبه ويحب له الخير و النفع و الصلاح فلن يقبل على
التلقي منه ولو أيقن أن عنده الخير كله
والقرآن أشد حباً وأوسع رحمةً وأعظم شفقةً لأنه كلام الرحمن الرحيم :
( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ) الشورى آيـ19ـة
( وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) البقرة
آيـ207ـة . ( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ
وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ) النساء آيـ28ـة
-
خامساً : ينبغي أن يكون المربي مستغنياً عن المربى لا يبتغي إلا مصلحته ومنفعته
وسـعادته وأن يوقن المربى بذلك ويشعر به والقرآن هو كلام الغني الحميد
( وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ) الأنعام
آيـ133ـة
- سادساً : ينبغي أن يكون عند المربي المقدرة على الاهتمام ؛ بأن يعطي ما
عنده من الخير والهدى
( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
النساء آيـ26ـة
- سابعاً : ينبغي أن يكون المربي قادراً على المتابعة والتوجيه المستمر
والقرآن قائم بذلك بطريقة معجزة بلاغية ساحرة ، سخر فيها كل صنوف المعرفة من علم
شامل يقيني
ومظاهر كونية خلابة ، وأحوال إنسانية رائعة ، وبلاغة مؤثرة ، وقصة معبرة ، ومثل
مضروب وحدث تاريخي ، وسنة كونية ،وقاعدة اجتماعية , كل ذلك في قالب رائع من الأدب
والسحر البياني بحيث يستمر التوجيه والمتابعة دون أن يشعر المربى بالملل و السآمة
والضجر
( وَلاَ
يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ
وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
)
الفرقان آيـ33ـة .
- ثامناً : وينبغي أن يكون المربى قادراً على القيادة لأن من يعجز عن
القيادة لا يصلح للتربية
,
قيادة تتناسب مع المربى تأخذ بيده شيئاً فشيئاً إلى المرتبة التي ينبغي أن يصل
إليها .
والقرآن يفعل ذلك بطريقة عجيبة لأنه قرآن حكيم ( الـر
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )
هود آيـ1ـة , وهو ( الْقُرْآنِ المَجِيدِ) ق
آيـ1ـة والمجد يجمع القوة و العز مع الكرم .
خصائص المنهج القرآني التربوي
إن
لهذا المنهج القرآني خصائص يمتاز بها عن أي منهج آخر منها :
1- الشمول :
طريقة القرآن في التربية هي معالجة الكائن البشري كله معالجة شاملة لا تترك فيه
شيئاً ولا تغفل عن أي شيء جسمه وعقله وروحه وحياته المادية والمعنوية وكل نشاطه في
الأرض.
إنه يأخذ الكائن البشري كله يأخذه بفطرته التي خلقه الله عليها لا يغفل شيئاً من
هذه الفطرة ولا يفرض عليها شيئاً ليس من تركبيها .
ويتناول هذه الفطرة في دقة بالغة فيعالج كل وتر فيها وكل نغمة تصدر عن هذا الوتر
فيضبطها بضبطها الصحيح وفي الوقت ذاته يعالج الأوتار مجتمعة لا يعالج كلاً منها على
حده كي لا تصبح النغمات نشازاً لا تناسق فيها ولا تناغم .
ولا يعالج بعضها و يهمل البعض الآخر كي لا تصبح النغمة ناقصة غير معبرة عن اللحن
الجميل المتكامل الذي يصل جماله الأخاذ إلى درجة الإبداع .
وحين يستعرض الإنسان طريقة القرآن في التربية يعجب للدقة العجيبة التي يتناول فيها
الكائن البشري الدقة في تناول كل جزئية على حده كأنه متفرغ لها ليس في حسابه سواها
.
ثم
الشمول على هذا المستوى من الدقة الذي يتناول الجزئيات جميعاً وفي وقت واحد إنها
دقة لا تصدر إلا عن الخالق المربي المدبر العظيم ( أَلاَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ )
الملك آيـ14ـة .
( فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )
الروم آيـ30ـة
فما من نظام يعالج الفطرة كما يعالجها القرآن أو يستخلص من الفطرة بعد تهذيبها وضبط
إيقاعها ما يستخلصه القرآن .
إنه لا يعطي كل جانب غذائه فحسب بل يعطيه إياه بالقدر المضبوط الذي لا يجيعه ولا
يتخمه , ومن ثم ينطلق بالإنسان وقد أخذ حظه من الغذاء الصالح بمقاديره المضبوطة
نشيطاً متحركاً على الدوام مستفيداً من كل طاقاته فلا تهدر منه طاقة واحدة يمكن أن
ينتفع بها في عمارة الأرض وفق منهج الله .
فهذه الثروة المتمثلة في الكيان البشري ثروة ثمينة ، منفردة في نوعها ، عجيبة في
النتائج التي يمكن أن تصل إليها ، لا يهمل القرآن منها شيئا بل يستغلها إلى آخر
مداها .
يستغل القرآن طاقته الإنسان الحيوية في عِمارة الأرض بالتنقيب عن كنوزها والتعرف
على رزق الله الواسع فيها واستغلال ذلك كله لترقية الحياة وتنميتها والوصول بها إلى
مستوى جديد
ويستغل القرآن طاقته الإنسان الروحية في التعرف على الله والاتصال به والاستمداد من
قوته والاهتداء بهديه والعمل بمقتضى ذلك كله على ترقية الحياة النفسية وتنميتها
وتعويدها على الخير والحب والشعور بترابط الإنسانية ومحاولة إيصال الخير المادي
الذي يصل إليه الإنسان بطاقته المادية إلى جميع البشر الخلفاء لله في مجموعهم ،
الشركاء في كل ثمار الحياة
ويستغل القرآن طاقته الإنسان العقلية في التعرف على سنن الله في الكون المادي وفي
حياة الإنسان واستغلال ذلك كله في تنظيم الحياة البشرية وتقويتها و السير على نهجها
القويم .
2- التوازن :
إن
استغلال هذه الطاقات مجتمعة يحدث توازناً في داخل النفس وفي واقع الحياة و التوازن
سمة من سمات الإنسان الصالح توازن بين طاقة الجسم وطاقة العقل وطاقة الروح توازن
بين ماديات الإنسان ومعنوياته توازن بين ضروراته و أشواقه توازن بين الحياة في
الواقع و الحياة في الخيال توازن بين الإيمان بالواقع المحسوس و الإيمان بالغيب
الذي لا تدركه الحواس
توازن بين النزعة الفردية و النزعة الجماعية توازن في النظم الاقتصادية و
الاجتماعية و السياسية توازن بين الحب والكره توازن بين الخوف والرجاء توازن بين
الالتزام و التحرر توازن بين السلبية والإيجابية
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطاً )
البقرة آيـ143ـة , وينسجم بهذا مع الكون المتوازن
(وَوَضَعَ المِيزَانَ .أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ .وَأَقِيمُوا الوَزْنَ
بِالْقِسْطِ
وَلاَ
تُخْسِرُوا المِيزَانَ)
الرحمن آيـ7-8-9ـة
وكل ما يصيب الإنسان في الحياة من شر وقلق أو جزع واضطراب أو فساد وبوار أو شقوة أو
عذاب هو نتيجة لفقدان التوازن في داخل النفس البشرية ومن ثم فقدانه في واقع الحياة
.
3- الإيجابية السوية :
إن
في الكائن الإنساني استعدادات مختلفة متباينة فيها الموجب و فيها السالب في كل
اتجاه .
وإذا تركت وشأنها نما كل منها من ناحيته أو توقف نموه فيختل التوازن وتضطرب الصفات
فيصبح الإنسان سلبيا أحياناً وإيجابياً أحياناً أخرى .فيسير على غير منهج سوي أو
هدف مرسوم , والإنسان كما يريده القرآن:
-
قوة فعالة موجهة مريدة محسنة ،
-
قوة موجبة في واقع الحياة قوة دافعة إلى الأمام
-
قوة تسيطر على القوى المادية وتستغلها في عمارة الأرض(
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ )الجاثية
آيـ13ـة
-
قوة يغير الله واقع البشرية عن طريقها (إِنَّ اللَّهَ لاَ
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد
آيـ11ـة .
-
قوة تنشئ واقعها حسب المنهج الذي تؤمن به فتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر وتقيم
بنفسها نظامها (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)
آل عمران آيـ110ـة .
-
قوة إيجابية لكن بغير طغيان (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ
لَيَطْغَى )العلق آيـ6-7ـة
4- الواقعية المثالية أو المثالية الواقعية :
القرآن يأخذ الكائن البشري بواقعه الذي عليه يعرف حدوده وطاقاته ويعرف مطالبه
وضروراته وحاجاته ويقدر هذا وتلك ( لاَ تُكَلَّفُ نُفْسٌ
إِلاَّ
وُسْعَهَا)
البقرة آيـ233ـة
( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
التغابن آيـ16ـة
ويعرف ضعفه إزاء المغريات( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الـذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ
وَالأَنْعَامِ
وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ )
آل عمران آيـ14ـة
وضعفه إزاء التكاليف( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ
عَنكُمْ
وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)
النساء آيـ28ـة
يعرف كل ذلك فيساير فطرته في واقعها ، ولا يفرض عليها من التكاليف ما ينوء به كاهله
ويعجز عن أدائه ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)الحج آيـ78ـة
ويجعل التكليف الملزم في حدود الطاقة الممكنة ، ولكنه لا يتركه لفطرته الضعيفة دون
تقويم فتظل تهبط وتتراجع من موقفها إلى موقف دون .
بل
يدفعها إلى الأمام ، ويرتقي بها إلى الكمال باستمرار .(
إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) الإسراء آيـ9ـة
, ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ
المُقَرَّبُونَ) الواقعة آيـ10-11ـة
إن مزية الإنسان الكبرى هي الاستعداد الدائم للصعود ، الاستعداد لأن يتفوق على
نفسه ويرتفع عن الواقع ليبلغ المثال وقد لا يبلغه في كل مرة ولكنه يظل يحاول
والقرآن يعفو عنه ويأخذ بيده ويشجعه ويثبت عزيمته في كل مرة
,( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر آيـ53ـة
( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى
وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ )
محمد آيـ17ـة
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
النساء آيـ26ـة
...............................................
بقلم الأستاذ عبد المنعم الشالاتي