صدى زيد | نحو دعوة عالمية | ركن المقالات >> مشاركات الزوار >> والدي ينام في السيارة!

عرض المقالة :والدي ينام في السيارة!

 

 

 

   

ركن المقالات >> مشاركات الزوار

اسم المقالة : والدي ينام في السيارة!
كاتب المقالة: عمر موفق الوزان
تاريخ الاضافة: 16/01/2010   زيارة: 329






والـدي ينـام في السيـَّارة!

دخلت يوماً العناية المركزَّة، فاستقبلني طبيبها، وعرض عليَّ صورةً للدماغ، فسألته عن حال صاحبها بعد أن رأيتها، فأخبرني أنَّه في سبات، وهو على جهاز التنفس الاصطناعيِّ قد بات!.. فما راعني ذلك وما هالني، لأنَّ مثل أصحاب هذه الصورة لا يكاد يكون بينهم وبين أجلهم إلاّ ساعاتٌ معدودات، اللهمَّ إلاّ أن يرسله الله من قدر إلى قدر!.. فقلت لطبيب العناية: لا محالة؛ هذا المريض محتاج إلى جراحة وعاجلِ دراية، فأعلمني أنَّ الطبيب الجرَّاح في طريقه إليه، وغرفة العمليات قد جُهِّزت لتكون بين يديه!

والصورةُ لو رآها غيرُ ذي خبرة لَعلِم أنَّ فيها شيئاً لا يستقيم، وأنَّ الخطب جدُّ جسيم، والخبيرُ يعلمُ أنَّ نزفاً شديداً قد أصاب مُخَيْخَ صاحبها، والمُخيخُ هو الجزء الخلفيُّ من الدماغ، وفيه مركز التوازن، وهو قريب من مركز الصحو واليقظة، وكان الدم قد تسرَّب إلى بُطينات الدماغ، وهي تجاويف يملؤها سائلٌ كماء النبع في صفائه، يطوف حوالي الدماغ وأغطيته، ولكلِّ شيءٍ طوافٌ من جنسه، ولكلِّ شيءٍ تسبيحٌ بحمد خالقه، ولمَّا كان الدم قد تسرَّب إلى هذا السائل فقد أدَّى إلى خللٍ في حركته، وانسدادٍ في مسربه، وبذلك يتراكم السائلُ في التجاويف فتتمدَّد، ويرتفع الضغط في الدماغ فينفتق ويتبدَّد، وإن لم يُعالج عاجلاً، فإنَّ صاحبه بعد ساعات لن تطول في قبره قد يُوسَّد!

وعلمتُ من ابن المريض أنَّ أباه لم يُكمل نصف العقد الخامس من عمره، وأنَّه مصابٌ بارتفاع الضغط في دمه، ولكنَّه يتوانى في أخذ أدويته، ومن يتناول دواء خافضاً لضغط الدم، فلا بدَّ أن يستمر بتعاطيه أبد الدهر، فلا يتركه أو يبدِّله إلاّ بأمر طبيب؛ وإلاّ فقدْ يصيبه ما أصاب صاحب الصورة، وعن وعيه قد يغيب، ولا ينفع ساعتئذٍ ندمٌ ولا نحيب!

ولقد يهيِّئُ اللهُ في لطفٍ وعجبٍ أسبابَ قضاء ليُنفذَه، فلقد خرج صاحب الصورة من بيته بسيَّارته إلى شأن من شؤونه، وبعد حينٍ يخرج ابنه ماشياً في الحيِّ إلى غير قصد وهو قلَّما يخرج ماشياً، فيرى سيَّارة أبيه على جانب الطريق، فاقترب منها، فإذا أبوه مستلقٍ على مِقْودها كالنائم، فتعجَّب أن ينام أبوه في سيَّارته، فكلَّمَه فتثاقل في ردِّه، ففزع الولد وهُلِع، وإلى المستشفى بوالده قد هُرع، فأجرَوا له صورةً لدماغه، وأخبروه أنِّه بحاجة إلى جراحة على الفور، وسيُدخَل إلى غرفة العمليِّات من غيرِ دور!..

فأراد أن يعالج والده في بلدةٍ طبُّها أوسع، على أنَّ حالته حيث كان تُعالج العلاج الأنجع، ولكنَّها طبائع الناس إذا مسَّهم من الداء مساس، فنقله إلى مستشفانا بسيَّارته يشقُّ بها الطريق في سرعة والتفاف، وما انتظر حتَّّى سيَّارة الإسعاف، وحالُ والده تسوء وتسوء، والولدُ يظنُّ في عافية والده ظنَّ السوء!..

حتَّى إذا ما وصل الطوارئ وُضع على المِنْفَسَة (التنفس الاصطناعيّ) في دقائق معدودة، ثمَّ نُقل إلى العناية المركزَّة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ويشاء الله أن يحمل تقاديره على يد مستشار الجراحة العصبيَّة باعيسى، فيبضع دماغه بمشرطه والموسى، ليصحو المريض ويتعافى بإذن ربِّه.

ولقد رأيتُه آخر مرَّة بعد حوالي أربعة أشهر من خروجه من المستشفى، وقد رجع بحمد الله يمشي، وأموره كلّها يقضي؛ إلاّ اضطراباً خفيفاً في ذاكرته وبعضِ إدراكه، وعَلِم حينها عِلمَ اليقين أنَّ تناول دواء ضغط الدم لا يُترك إلاّ بأمر طبيب؛ فقد يودي تركه إلى تلف في الدماغ وتخريب!.. وبات أبداً إلى ربِّه منكسراً، واللهُ قريب، وله داعياً في إلحاح؛ واللهُ مجيب.

فسبحان من أخرج الولد من البيت ماشياً؛ إذ إنَّ لوالده قسطاً من العمر ما زال باقياً!






طباعة

<جديد قسم < مشاركات الزوار

الحل هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم
المسلسلات السورية خارج الرقابة هذا العام
حديقة تحت الأرض
قصة قمر
دورةفي الاقتصاد الاسلامي والمؤسسات المالية الاسلامية
الحذاء المطاطيّ
حتى لانشرب الشاي بنكهة البول
ورحلت واقفاً يا أيها السعيد
الآثار المدمرة لنقص الأموال
كلمات في رحيل الشيخ سعيد كوكي


التعليقات : 1 تعليق على
«إضافة تعليق على المقالة »

ايميلك

اسمك

تعليقك


 

 

     

القائمة الرئيسية

الشيخ عبد الكريم الرفاعي

الشيخ عبد الكريم الرفاعي

الصوتيات والمرئيات

جديد الفتاوى

صلاة العيد والجمعة

البول واقفا

اداء زكاة الفطر مالا

توزيع الزكاة

الخطأ في إخراج زكاة الفطر

الافطار لاصحاب المهن الشاقة

زكاة المال والاصناف الثمانية

إرجاع شئ من الطعام أثناء الصلاء بدون قصد

المعاشرة الزوجية قبل حفل الزفاف

التبرع لمجهولي النسب

خدمات ومعلومات

استراحة الموقع


Powered by: mktba 4.2