أنا شخصية مزعجة
نعم فقد أصبح الحوار معي أمراً غير ذي جدوى، أنا لم أعد أطاق!
الحوار في زماننا يتطلب تنازل أحد الأطراف، والقبول بأن يكون الحلقة الأضعف. هل تريد أن تحاور الآخرين وتخسر صداقاتك وعلاقاتك الاجتماعية (سوية كانت أو مريضة)؟ ستجيب بـ لا طبعاً، إذن عليك أن تستسلم وتتراجع إلى الوراء حين يشتد النقاش ويصبح ضارياً!َ اهرب بجلدك قبل أن تخسر صداقاتك، ليس هذا فقط، بل سيزداد حب محاوريك لك وسيعتبرك الجمهور الناقد شخصية منفتحة تتقبل آراء الجميع (إلى درجة التماهي برأي الآخر)، ومرنة بحيث تبدل اعتقادك وتقتنع بحجج الآخرين بسهولة! ولا تظننّ واهماً أن الاختلاف في الرأي لا يفسد في الودّ قضية!
هذه مقتضيات الحوار البنّاء الذي يفضي إلى نتائج إيجابية! حيث تموت الحقائق، ويسود اللامنطق، وتهتز الثوابت، وتندثر الحكمة (ضالة المؤمن المنشودة ابداً)، ويصبح الأسود أبيض، ويمسي الأبيض أسود، وكل ذلك يتم فرضه عليك قسراً وإياك أن تجادل، وإلا فالحرب معلنة عليك، وقد أعذر من أنذرفـ ألا هل بلّغت، ألا هل بلغّت، ألا هل بلّغت؟. وعندما تفكر (مجرد التفكير) بأن تتجاهل كل هذه النتائج المحتملة، ستجهر عليك الأصوات وتتعالى، فلا مولى لك ولا نصير! لذا فعليك بإحدى الوسيلتين الناجعتين:
إمّا أن تبدأ بتمرين حبالك الصوتية من الآن!
أو أن تباشر بتمارين التربية البدنية وتلتحق بنادي كمال الأجسام لتحظى بجسد ترهب به عدو الله وعدوك!
هناك طريقة ثالثة أكثر عقلانية ولكن ليس بمقدور أي أحد تطبيقها (كأصحاب التفكير الحاد أو النزقين على سبيل المثال)، لم لا تغيّر أسلوبك في الحوار؟ أليس من المحتمل أن تكون المشكلة قابعةً في داخلك وكذلك الإجابة عن كل الأسئلة؟
فإن استطعت استثمار ذكائك والتحكم بسير النقاش بحيث تغوص وتتعمق وتشعّب الأمور تارةً، أو تحوّل مسار الحديث باتّجاه آخر تارةً أخرى، أو تنسحب وترفع الراية البيضاء معلناً إفلاسك وهزيمتك! وهكذا فقط يمكنك أن تحصد غلال حوار مفيد وبنّاء وفي الوقت ذاته تصون علاقاتك الاجتماعية وتحمي صداقاتك من رياح التغيير!
بعض الناس الغيورين على صورتهم الفكرية وهويتهم الثقافية والمخلصين لرسالتهم الإنسانية في هذه الحياة والذين يكرهون الظهور بهيئة المغفلين أو الحمقى أمام حفنة من الجهلة والسفهاء - الذين لا يملكون من الحجج المنطقية من شيء، لا بل هم، في حقيقة الأمر، لا يملكون سوى الحناجر الرهيبة والأصوات الشديدة والتفكير الرجعي ومن أبرز صفاتهم العناد والمكابرة- يأبون الاستسلام لهؤلاء، ويجدون أن الواجب الإنساني والقومي يناديهم لإخراس صوت الباطل وبأي وسيلة، ولو كان الثمن باهظاً.
تبدأ المعركة باختلاف طفيف أو كبير في وجهة نظرٍ تجاه أمر ما، وقد يتطور الاختلاف ليشمل أكثر من وجهة نظر واحدة فيتعداه لاثنتين أو ثلاثة وربما أكثر، حين يشعر أحد الأطراف بأن الهدف لم يعد الحوار البناء والفعال لذاته، بل أصبحت الغاية الهجوم والتجريح والاستهانة برأي الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.
كيف يتصرف المثقّف العاقل، والمجرّب الحكيم في هذه الحال؟
يتريث ويصبر حتى يتبين ما في النفوس ويقرأ ما بين السطور وهذا يتطلب هدوءاً في الأعصاب ملحوظاً، ونفاذ بصيرة مميزاً. فإن تأكّد من سوء النوايا حتّم على نفسه النهوض للتصدّي للهجوم ووضع النقاط على الحروف بنفس الطريقة الحكيمة التي استقرأ من خلالها أمر النوايا. لقد استمع طويلاً للترّهات وصبر كثيراً على الهلوسات، والآن أصبح عليه أن يعمل بقول الشاعر:
تنبّـهـوا و اسـتـفيـقـوا أيـهــا الـعـرب فقد طغى الخطب حتى غاصت الركب
لقد حرص على علاقاته الاجتماعية وهذا شيء جميل، ولكن مقبوليتك في المجتمع شيء وقولك الحقيقة وإحقاقك الحق شيء آخر لا يجوز التهاون فيه على الإطلاق، فهذا من الثوابت في ديننا وعقيدتنا، ومرتبط بأصالتنا وعراقتنا كعرب أصحاب تاريخ وحضارة، يضرب بهم المثل في الشهامة والشجاعة والمروءة، وما هذه الحال التي انتهينا عليها إلا نتاج لمحاولات الاستعمار والغرب الجهيدة على مر العصور بث السموم في عقولنا المستقيمة واختراق حصون فكرنا المستنير والحضاري.
ولا بأس بأن أكون شخصية مزعجة إذا كان في هذا إعلاء لصوت الحق، وتصحيح للمفاهيم المعوجة، التي تبرأت منها كل الأديان في الحقيقة، وأصرّ أصحابها على دمجها وبثها داخل مجتمعاتنا تحت غطاء الدين. وهم بعيدون كل البعد عن إدراك المعاني السامية التي تحتويها الكتب السماوية المقدسة، فكيف بعرب اليوم أن يعوا ما في قرآنهم إن كانوا مقصّرين في تعلّمهم اللغة العربية، لغتهم الأم، وهي لغة الفرقان الذي يضع بين أيدينا سلّة من الحلول المتكاملة تسير بنا نحو مجتمع بالغ التنظيم في كل مجالات الحياة، بدءاّ من دستور الحياة الزوجية، مروراّ بالعلاقات الإنسانية بين أفراد الأسرة، إلى العلاقات مع الجوار في الحي وتتسع الدائرة حتى تشمل العلاقات بين السلطة والرعية، ومن ثم بين السلطات مع بعضها، أي بين جميع دول العالم، وجميع شعوب الأرض.
كفانا جهلاً أيها الناس، وكفانا إضاعة للوقت، نحن أمة "اقرأ"، فكم سطراً -ولن أقول صفحة- يقرأ الواحد منّا في اليوم؟ وكم من الوقت نمضي في التفكر أوالتفكير في معاني الآيات القرآنية التي نقرؤها أو تتلى علينا؟ وكم من الناس يعنيه أن يُعمل عقله على حساب بطنه أحياناً؟ وكم منا يتخذ الحكمة القائلة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود" دستورا في حياته؟ ومن منا عمل بقول الرسول الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع؛ وإذا أكلنا لا نشبع"؟
وإن كان ما يقرأ على مسامعكم كلاماً فارغاً لا يسمن ولا يغني من جوع، فحسبنا الله ونعم الوكيل، وكما قال الإمام علي كرّم الله وجهه : "أيها الحق، لم تترك لي صديقاً" نقول مجدداً حسبنا الله ونعم الوكيل.
- انتهى -