HTML clipboard
وحدة الكلمة
الشيخ الطبيب محمد غسان جزائري
الحمد لله حمداً يليق بجلاله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
أما بعد : اتقوا الله حق تقواه , وراقبوه مراقبة عبد علم أن الله مطلع عليه, ناظر
إليه, شاهد عليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .سيد الخلق وإمام الحق نبينا وحبيبنا
وشفيعنا وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن من كلام الله تعالى قوله : ( وأطيعوا الله ورسوله ولا
تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ).
وقال أيضاً: ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).
الشورى.
وقال أيضاً: ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا
واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).
آل عمران.
أولا – أهمية وحدة الكلمة والصف :
1-
وحدة الصف واجب والتفرق حرام. قال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ).
2-
المتفقون يرحمهم الله . هل أدلك على عمل لو عملته لعشت في رحمة الله ؟ عش مع الناس
بلا تنازع ولا اختلاف . لا تثيرنّ المسائل التي تفرق صف الأمة . قال تعالى :
(وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَ). قال الإمام البغوي: ( بعث الله
الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة).(
تفسير ابن جرير 12/134.).
3-
أولا أدلك على عمل تحفظ به دينك عليك ؟ كن مع جماعة المسلمين ولا تفرق صفهم . وعن
الحارث الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها
ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها..... الحديث وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛
فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع).
رواه أحمد 16718.
4- من عظم أهمية وحدة الكلمة والأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عن أبي
هريرة رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم
ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا
بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
5- يقول عمر بن الخطاب : عليكم بالجماعة وإياكم
والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم
الجماعة. رواه الترمذي (2091) وأحمد(172).
6- وعن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد والسحور).
رواه الطبراني والبيهقي.
7- إذا أراد الله أن يعذب قوماً أو أمة جعلهم فرقاً عديدة وطوائف شتى .قال تعالى :
( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65). الأنعام). وقال أيضاً:
( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إ نَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ
بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)) الأنعام. وقال أيضاً:
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ
إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)).الروم، ، قال تعالى :{
إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعَاً لست منهم في شيء } [ الأنعام : 159 ]
. وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به.وتشتّت الشيع وتعدّد الآراء أشدّ في اللبس
والخلط ، لأنّ اللبس الواقع كذلك لبس لا يرجى بعده انتظام .عطف عليه
{ ويذيق بعضَكم بأس بعض } لأنّ من عواقب ذلك اللبس
التقاتل . فالبأس هو القتل والشرّ .
في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله قال : " لما نزلتْ
{ قُلْ هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم }
قال رسول صلى الله عليه وسلم أعوذُ بوجهك . قال
: { أوْ من تحت أرجلكم } قال :
أعوذ بوجهك. قال : {
أو يلبِسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض } قال رسول الله :
هذا أهون ، أو هذا أيسر ". قال الطاهر بن
عاشور: وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك يراد تحذير
المسلمين من الوقوع في مثلها ، فإذا اختلفوا في أمور الدين الاختلاف الذي يقتضيه
اختلاف الاجتهاد أو اختلفوا في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد فليحذروا أن يجرهم
ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعاً متعادين متفرقين يلعن بعضهم بعضاً ويذيق بعضهم
بأس بعض .
وقد روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه ذكر فتناً تكونُ في آخر الزَّمان ، فقال
له عمر : متَى ذلك يا عليُّ ؟ قال : إذا تُفُقِّه لغير
الدين ، وتُعُلِّم لغير العمل ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. وعن ابن
مسعود أنَّه قال : كيف بكم إذا لَبِستكم فتنةٌ يربو
فيها الصغيرُ ، ويَهْرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سُنةً، فإنْ غيرت يوماً قيل:
هذا منكر ؟ قالوا: ومتى ذَلِكَ؟ قال : إذا قلَّت أمناؤكم ، وكثرت أمراؤُكم ، وقلَّت
فقهاؤُكم ، وكثر قُرَّاؤُكم ، وتُفُقِّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعمل
الآخرة. ويروى من حديثِ ثوبانَ ، عنِ النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم - ،
قالَ :(( سيكونُ أقوامٌ منْ أمتي يُغَلِّطونَ فقهاءهم
بعضلِ المسائلِ ، أولئكَ شرارُ أمتي )) .
قال إسحاق بن عيسى : كان مالك يقول : المِراء والجِدال
في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل .
وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول : المراء في العلم
يُقسِّي القلوب ، ويورِّث الضغن . أخرج مسلم (2584) بسنده عن جابر بن عبد
الله رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي في غزاة، فكسع
رجل من المهاجرين – أي ضرب – رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال
المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله : ((ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول
الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة)).
قال القرطبي رحمه الله: "فإن الله تعالى يأمر بالألفة
وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة،والجماعة نجاة". ورحم الله ابن المبارك
حيث قال:
إن الجماعة حبـل الله فاعتصموا
منه بعروته الوثقى لمن دانا
وأخرج الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: (حبل الله
الجماعة).
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:
((لا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا
تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ
يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)).
عن زَكَرِيَّا بْنَ سَلَّامٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ انْتَهَيْتُ
إِلَى النَّبِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَيُّهَا
النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، أَيُّهَا النَّاسُ
عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ)) ثَلَاثَ مِرَارٍ.
وعن النعمان بن بشير عن رسول الله قال: ((الجماعة
رحمة، والفرقة عذاب)).
وقال: ((المسلم أخو المسلم)).
أبو الوليد الشيباني أحد أبطال الإسلام وعين الأجواد يوصي أبناءه عند وفاته بقوله:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى
خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا
وقال آخر :
كل يرى رأيا وينصر قولـه
وله يعادي سائر الإخوان
ولو أنهم عند التنازع وفقـوا
لتحاكموا
لله دون تــوان
ولأصبحوا بعد الخصام أحبة
غيظ العدا ومذلة الشيطان
و قال آخر :
حبذا العيش حين قومي جميعا لم تفرق أمورها الأهواء
وقال يونس الصدفي : ( ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته
يوماً في مسألة ثم افترقنا و لقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن
نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة ).
قال الذهبي:(هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه
نفسه، فما زال النظراء يختلفون). (السير 10/16-17).
عن أنس رضي الله عنه قال: (إنا معشر أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر،
فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا
المتم على المقصر) . رواه البيهقي في السنن