HTML clipboard
ثقافة الاستهلاك و أثرها على المجتمع الأمريكي
تظهر قضية
غياب الفهم الصحيح للواقع و تغير التصورات بشكل جلي في القرار الأمريكي بزج القوات
الأمريكية في المستنقع العراقي ، فلم يدرك أصحاب هذا القرار أن الإعلام الأمريكي
قام بتفريغ الإنسان الأمريكي ومن ثم الجنود الأمريكيون تماما من كل القيم المثالية
و النضالية ، وذلك من خلال التأكيد على تحقيق الذات و التوجه الشديد نحو اللذة ،
كما تم التأكيد على أن كل الأمور نسبية ، أي متساوية ، و لا يوجد معيار للحكم ،
الأمر الذي يعني تقويض الإيمان بكل شيء بل وتقويض الذات بحيث تصبح مفتقدة للهدف
والغاية ، و لأي شكل من أشكال المثاليات المتجاوزة للذات الضيقة .
كل هذا حوّل الإنسانَ الأمريكي إلى كائن اقتصادي استهلاكي على درجة عالية من
الكفاءة في الاستهلاك - والإنسان الاستهلاكي ليس له هدف محدد فهو يرى الخلاصَ يأتي
من خلال تحقيق الذات الذي يتجسد في ارتفاع معدلات الاستهلاك - كما أنه إنسان يبحث
دائما عن الإشباع الفوري ، و من ثم فدرجة تحمّله ( عتبه التحمل كما في علم النفس )
ضيقة للغاية .
و قد نتج عن عملية التفريغ هذه أن الإنسان الأمريكي انغلق على نفسه و أصبح غيرَ
مهتم بالسياسة الخارجية وشؤون العالم - فطالما أن هناك دجاجة على المائدة ، فهو
يترك مشاكل الدفاع والسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، و يركز هو على أمور معاشه
مثل نوعية المدارس ، و المطافئ ، و الرعاية الصحية ، والحالة الاقتصادية فيما تمسه
هو شخصيا - فإرسال مثل هذا الشخص إلى بلد خارجية ، استنادا إلى رؤية - تتعلق
بالسياسة الخارجية و لدوافع خفية – لا يفهمها و لا يكترث بها ، في الوقت الذي نراه
مشغولا فيه بنفسه و متمركزا حول لذته و ذاته ، باحث عن نهمه الاستهلاكي ، هذا الرجل
لن يقاتل بضراوة و لن يتحمل أي ألم ، فالإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه
بشيء يجاوز ذاته الضيقة .
كما أن صانع القرار الأمريكي لم يدرك أيضا خريطة العراقيين الإدراكية و تصوراتهم و
قيمهم ، فحولهم إلى مجرد حيوانات اقتصادية مادية سترحب بالمحتل ، و لم يدرك قيما
معنوية ( غير مادية ) تتجاوز الذات الضيقة ، تحرك الإنسان العراقي مثل رفضِ الظلم و
الاحتلال و إدراكِهم العميق لطبيعة المشروع الأمريكي ، و إيمانِهم بالله الذي
يملأهم ثقة بأنفسهم و بمقدرتهم على المقاومة أمام الآلة العسكرية الضخمة .
بعد قصور التصور الأمريكي عن الإحاطة بالأبعاد الحقيقية للفاعل الإنساني ، الأمريكي
و العراقي ، ألقت الإدارة الأمريكية بالجنود الأمريكيين في أتون المعركة ، و فوجئت
بعنف المقاومة ، و فوجئت أيضا بضعف تحمل الجنود الأمريكيين ، و ضعف تحمل الجمهور
الأمريكي من ورائه ، حينما وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكيين إلى حوالي 800 قتيل
و هو العد الذي قتل في معركة الغزو ، بدأ القلق يساور الشعب الأمريكي ، فكنت أضحك و
أقول لهم : إن من يريد أن يبني إمبراطورية تنهب الشعوب و تأتي بخيرات البلاد الأخرى
عليه أن يضحي بالدم ، و كنت أذكرهم أن قلق الشعب الأمريكي في حرب فيتنام لم يبدأ
إلا بعد سقوط 20 ألفا من الجنود قتلى .
كان الناس يحتارون من ملاحظاتي هذه ، فهم لا يعرفون أن الخريطة الإدراكية الأمريكية
مع تصاعد التوجه إلى اللذة و مع تصاعد معدلات الاستهلاك قد تغيرت تماما ، إذا قوضت
كل مثاليات الإنسان الأمريكي بما في ذلك إيمانه بالوطن والإمبراطورية وبضرورة
الدفاع عنها بضراوة .
....................................
بقلم المفكر الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله تعالى
نقلا عن كتابه ( رحلتي الفكرية )